ابن أبي الحديد

26

شرح نهج البلاغة

مروان يصرفه كيف شاء ، فالخلافة له في المعنى ، ولعثمان في الاسم ، فلما انتقض على عثمان أمره ، استصرخ عليا ولاذ به ، وألقى زمام أمره إليه ، فدافع عنه حيث لا ينفع الدفاع ، وذب عنه حين لا يغنى الذب ، فقد كان الامر فسد فسادا لا يرجى صلاحه . قال جعفر : فقلت له : أتقول إن عليا وجد من خلافة عثمان أعظم مما وجده من خلافة أبى بكر وعمر ؟ فقال : كيف يكون ذلك ، وهو فرع لهما ، ولولا هما لم يصل إلى الخلافة ، ولا كان عثمان ممن يطمع فيها من قبل ، ولا يخطر له ببال ، ولكن هاهنا أمر يقتضى في عثمان زيادة المنافسة ، وهو اجتماعهما في النسب ، وكونهما من بنى عبد مناف ، والانسان ينافس ابن عمه الأدنى أكثر من منافسة الأبعد ، ويهون عليه من الأبعد مالا يهون عليه من الأقرب . قال جعفر : فقلت له : أفتقول : لو أن عثمان خلع ولم يقتل ، أكان الامر يستقيم لعلى عليه السلام إذا بويع بعد خلعه ؟ فقال : لا ، وكيف يتوهم ذلك بل يكون انتقاض الأمور عليه وعثمان حي مخلوع أكثر من انتفاضها عليه بعد قتله ، لأنه موجود يرجى ويتوقع عوده ، فإن كان محبوسا عظم البلاء والخطب ، وهتف الناس باسمه في كل يوم ، بل في كل ساعة ، وإن كان مخلى سربه ، وممكنا من نفسه ، وغير محول بينه وبين اختياره ، لجأ إلى بعض الأطراف ، وذكر أنه مظلوم غصبت خلافته ، وقهر على خلع نفسه ، فكان اجتماع الناس عليه أعظم ، والفتنة به أشد وأغلظ . قال جعفر : فقلت له : فما تقول في هذا الاختلاف الواقع في أمر الإمامة من مبدأ الحال ، وما الذي تظنه أصله ومنبعه ؟ فقال : لا أعلم لهذا أصلا إلا أمرين : أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله أهمل أمر الإمامة فلم يصرح فيه بأحد بعينه ، وإنما كان هناك رمز وإيماء ، وكناية وتعريض ، لو أراد صاحبه أن يحتج به وقت الاختلاف وحال المنازعة